محمد محمد أبو موسى
281
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
يقول في قوله تعالى : « وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ » « 96 » : « فان قلت : لم جاء « فتثير » على المضارع دون ما قبله وما بعده ؟ قلت : ليحكى الحال التي تقع عليها إثارة الرياح السحاب وتستحضر تلك الصورة البديعية الدالة على القدرة الربانية وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب أو تهم المخاطب أو غير ذلك كما قال تأبط شرا : بأنّى قد لقيت الغول تهوى * بسهب كالصّحيفة صحصحان فأضربها بلا دهش فخرّت * صريعا لليدين وللجران لأنه قصد أن يصور لقومه الحالة التي تشجع فيها بزعمه على ضرب الغول كأنه يبصرهم إياها ويطلعهم على كنهها مشاهدة للتعجب من جرأته على كل هول وثباته عند كل شدة » « 97 » . ومثل هذا يذكره في قوله تعالى مخاطبا بني إسرائيل ومنكرا عليهم جسارتهم على أنبيائه عليهم السلام : « أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ » « 98 » . قال الزمخشري : « فان قلت : هلا قيل وفريقا قتلتم ؟ قلت : هو على وجهين ان تراد الحال الماضية لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب وان يراد . . . » « 99 » . وقد يقع المضارع موقع الماضي ولا يكون الغرض منه استحضار الصورة ، وانما يشير إلى أن هذا الحدث مستمر ، وهنا فرق بين معنى الاستمرار في الفعل المضارع ومعنى الاستمرار في صيغة الاسم . يقول في قوله تعالى : « وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ » « 100 » : « فان قلت : فلم قيل « يطيعكم » دون أطاعكم ؟ قلت :
--> ( 96 ) فاطر : 9 ( 97 ) الكشاف ج 3 ص 274 ( 98 ) البقرة : 87 ( 99 ) الكشاف ج 1 ص 121 ( 100 ) الحجرات : 7